Bin-Majd

"عضو "أوكساب

الجمعة، شوال 26، 1427

الشيخ عبداللطيف العيسى

قرن من الزمان، أو ربّما زاد قليلاً، هو عُمر الرحلة التي قضاها عبد اللطيف العيسى في هذه الحياة، وهو قرنٌ شهد الكثير من التحولات والتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية، فكان عبد اللطيف العيسى شاهدَ قرن، وعايش عن قُرب أو بُعد، تلك التحولات، خاصةً ما يتعلق بالمجال التجاري والاقتصادي، الذي شهدته المنطقة، فقد كان أحد أبرز الشاهدين، إذ كان فارساً من فرسان هذا المجال، بدأه مهاجراً باحثاً عن الرزق وانتهى رجل أعمالٍ يُشار إليه بالبنان، وكيلاً لأشهر شركات السيارات في العالم، ولعله من المؤسف أن يودّع عبد اللطيف العيسى هذه الحياة، بعد هذا القرن الحافل بالتغيرات السياسية والفكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون أن تُستنطق ذاكرته وتُكتب شهادته، على ما عاشه وشهده، خاصةً في مجال اختصاصه، وهو المجال التجاري.

وإذا كان قد فاتنا أن نستنطق ذاكرته وأن نكتب شهادته، فلنحاول أن نكتب شيئا من سيرته، بما ضمّته من عصامية وطموحٍ وكفاح وصبر، لنقف على أهم محطات عبد اللطيف العيسى وتجاربه وآرائه وبرنامجه اليومي الصارم. وتأتي كتابة هذه السيرة من خلال حوارٍ مطوّل مع ابنه عبد الرحمن العيسى، الذي كان شاهداً على مسيرة أبيه منذُ الأربعينيات الميلادية، فقد تربى على يديه وعلّمه وابتعثه إلى بيروت وأمريكا وحينما عاد، عملَ مع والده في أعماله التجارية، حتى استقلّ في مطلع الثمانينيات، فإلى شيء من سيرة عبد اللطيف العيسى.

آل عيسى والنزوح إلى نجد

تعودُ أسرة العيسى، التي استوطنت الأحساء، وبرز من أبنائها الشيخ عبد اللطيف العيسى، في أصولها إلى عبيدة قحطان، التي نزحَ عدد من أبنائها قبل عدة قرون من سُراة عبيدة، جنوب أبها، إلى نجد، واستوطنوا في ضواحي الخرج، وتفرقوا إلى عددٍ من الأسر، ثم انتقل بعد ذلك أحد قاطني الخرج إلى منطقة الأحساء، واستوطنها، فكانت من ذريته أُسرة آل عيسى، المعروفة اليوم في الأحساء والخُبر والرياض.

من بين أبناء آل عيسى، عُرف الشيخ علي العيسى (والد عبداللطيف) واشتهر على مستوى منطقة الأحساء، وذلك في الفترة التي خضعتْ فيها الأحساء للهيمنة العثمانية، فقد كان للشيخ علي العيسى علاقة قوية جداً، بالجيش التركي، الموجود في المنطقة، فكان الممول لهذا الجيش، من حيث تأمين المعيشة اللازمة له، ومن حيثُ تزويده بالخيول وغيرها.

في عام 1331هـ، استطاع الملك عبد العزيز رحمه الله أن يضمّ الأحساء إلى مملكته الناشئة، بكل ما يمثله هذا الضم من أهمية إستراتيجية واقتصادية وسياسية، وقد ترتب على ضم الأحساء جلاء الجيش التركي من المنطقة، فأثر هذا الجلاء على التاجر علي العيسى، الذي تعرّض لانتكاسة اقتصادية كبرى من خلال تعاملاته التي كانت مع الجيش، الذي رحلَ من المنطقة، فتسبّب هذا الرحيل بتراكم الديون على عاتق علي العيسى. يقول عبد الرحمن العيسى ( بعد ابتعاد الأتراك، الجد علي شبه انتهى، ولا أعرف نهايته؟ هل هو هاجر أم لا؟! الذي أعرفه أنه كان عليه ديون).

كان علي العيسى قد تزوّج في شبابه بامرأةٍ واحدة فقط، هي السيدة نورة آل زرعة، وأنجبَ منها أربعة من الأبناء الذكور، هم: حسن، عبد الله، راشد، وعبد اللطيف، وتوفي حسن وعبد الله في الأربعينيات الميلادية، فاقتصرت ذريته على الولدين راشد وعبد اللطيف.

أمام هذا المأزق الاقتصادي و''النكسة'' التي حلّت بالأسرة، تولت نورة آل زرعة مهمة إنقاذ الوضع وتربية أولادها، فقامتْ ببيع كافة الأملاك التي كان يملكها زوجها علي العيسى، واستطاعت بذلك أن تُسدّد كافة الديون التي تراكمت على عاتق الزوج! .

يقول عبد الرحمن العيسى: ( لجدتي دور كبير، وهي معروفة ومحبوبة لدى آل الجلوي، خاصةً عائلة الأمير عبد الله بن جلوي، ولها ذهن وفكر وكانت قوية الشخصية)، وبعد أن سدّدت نورة آل زرعة ديون زوجها، تفرّغت لتربية أبنائها وتعليمهم، فألحقت ابنيها راشد وعبد اللطيف بكتاتيب الأحساء.

المولد والنشأة

لا يُعرف بالتحديد مولد الشيخ عبد اللطيف العيسى، وإن كان المتوقع أنه عندما توفي تجاوز المائة عام من عمره، وأُرجّح أنه من مواليد السنوات الأولى من القرن الميلادي الماضي، ذلك أنه ذهب إلى القدس بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها عام 1918 لإجراء عملية جراحية في أنفه في مستشفى ''هداسا''.

اكتفى عبد اللطيف العيسى بما تعلمه في كتاتيب الأحساء، ثم يمّم وجهه إلى الهند بحثاً عن الرزق، كأنما هو يريد أن يُعيد وهجَ والده ومكانته التجارية، فبدأ في استيراد البضائع التي كان يحتاج إليها أهل الأحساء آنذاك، من أقمشة وصوف وتوابل وغيرها، وشيئاً فشيئاً، بدأت تتشكل له تجارة، وأصبح الكثيرون يتطلعون إلى مشاركته، فبدأ يُنوّع في مستورداته وينتقل من نشاطٍ إلى آخر، كما أنه غيّر من وجهته التي اعتاد الذهاب إليها وهي الهند، فسافر إلى الشام ومصر.

في مطلع الأربعينيات الميلادية، غيّر عبد اللطيف العيسى من نشاطاته التجارية فأدخل تجارة الأثاث، وبدأ في استيرادها من الخارج، وفتح له معرضاً في المنطقة الشرقية (الخبر) التي انتقل إليها من الأحساء، وذلك بعد أن بدأت المنطقة الشرقية في الازدهار وبدأ الناس يقصدونها بعد أن حطّت فيها الشركة العملاقة ''ارامكو" لكنّ النشاط الذي يعتقد ابنه عبد الرحمن أنه مثّل نقطة انعطاف في مسيرة والده التجارية، هو شراء الأراضي في الأحساء والمنطقة الشرقية، إذ بدأ عبد اللطيف العيسى في شراء عدد من الأراضي، مستشرفاً مستقبل البلاد، ومعتقداً أن هذه المنطقة ستتطوّر وتنمو! فكلما توافر لديه مبلغ من المال، اشترى به أرضاً وتركها للريح! فهو يشتري ولا يبيع! ولا يبني عليها، فكانت لديه فلسفة في ''الأراضي'' تقوم على التمّلك، دون البيع أو البناء عليها، عُرف عنه قوله ''إذا أردتْ أن تقضي على أرض فابنْ عليها'' كان يكره العقار! ويحب أن تبقى الأراضي جرداء بيضاء، اعتقاداً منه أن الشمسَ والهواء تُثقل من قيمة الأرض كلما امتد الزمنُ بها! تلك حكمته التي ظلّ يرددها حتى وفاته!.

موعد مع بزوغ النجم

إذا كان عبد اللطيف العيسى قد ذهب إلى ''فلسطين'' بعد الحرب العالمية الأولى لإجراء عملية في أنفه! فإنه بعد الحرب العالمية الثانية، كان على موعد مع بزوغ نجمه وبروز اسمه في عالم الاقتصاد والمال! إذ بدأت انطلاقته الفعلية، حينما بدأ في العمل التجاري في السيارات، حيثُ لم يكن في المنطقة الشرقية من يبيع السيارات، ولا سيما أن المنطقة بحاجة ماسة إليها خاصةً بعد ''ارامكو'' فبدأ يستورد سيارات ''جنرال موتورز'' من ''الزاهد'' وكلاء السيارات في المنطقة الغربية، فأصبح موزعاً للزاهد في المنطقة الشرقية، لكنه سرعان ما بدأ في التطور شيئاً فشيئاً، فأصبح مع مطلع الخمسينيات الوكيل العام بالمنطقة الشرقية، وكان يُساعده في إدارة أعماله في المنطقة الشرقية ابنه (إبراهيم) الذي عاد من بيروت، ليقف بجانب والده، فكان بالفعل الساعد الأيمن لأبيه، وفي عام 1966 انخرط في العمل معه ابنه (عبد الرحمن) الذي عاد من أمريكا متخصصاً في الاقتصاد، فانضم ليُدير أعمال والده في مدينة الرياض، حيثُ قام بافتتاح معرض للسيارات في شارع الجامعة في حي الملز، وحصلوا على الوكالة في الرياض عام 1968 بعد أن استقل نهائياً عن الزاهد. وفي عام 1974 حصل على وكالة ''شيفروليه'' في الرياض . وتوالت الأعمال بعد ذلك، فحصل عبد اللطيف العيسى على وكالة سيارات ''بيوك'' عام 1977 ثم ''أولدزموبيل'' عام 1982 ثم سيارات ''إيسوزو'' عام 1983، وكانت آخر وكالاته هي وكالة ''جي إم سي'' عام 1990 .

يقول عبد الرحمن العيسى ( حصلنا على الوكالة في الرياض، وليس في المنطقة الشرقية، وأول وكالة لـ ''جنرال موتورز'' هي شيفروليه، وكانت ربما عام 1974 ثم حصلنا على وكالة شركة لوكاس، ثم وكالة بيوك ثم أولدزموبيل، ثم وكالة جي إم سي، وجميعها في الرياض ).

يُعرف عبد الرحمن عبداللطيف العيسى شركة ''لوكاس'' بأنها: شركة بريطانية ضخمة، متخصصة في تصنيع قطع الغيار للسيارات والطائرات وغيرها من المعدات.

رغم تنوع هذه الأعمال فقد ظل عبد اللطيف العيسى يديرُ هذه المجموعة بكل قوةٍ واقتدار، وكان مقره مدينة الخُبر، ويساعده ابنه إبراهيم، وعبد الرحمن في الرياض، إلى أن استقل ابنه عبد الرحمن، وتفرغ لأعماله الخاصة، في عام 1980 فانتقل رجل الأعمال عبد اللطيف العيسى إلى الرياض، ليُباشر ويدير أعماله في الرياض بنفسه.

لقد أدار عبد اللطيف العيسى هذه المجموعة، رغم كبر سنه وتقدم عمره، إذ ظل في حالةٍ صحية جيدة بسبب التزامه ببرنامج غذائي ورياضي صارم، وبعد أن استقال ابناه عبد الرحمن ثم إبراهيم , ساعده أبناؤه الذين سبق أن ابتعثهم وعلمهم في أمريكا على نفقته الخاصة.

يقول عبد الرحمن العيسى ( جاء الأخ عبد المحسن إلى الرياض، واستلم العمل ونشطَ في العمل التجاري، ونجح نجاحاً كبيراً، ومعه شقيقه زياد، الذي ساعد عبد المحسن في أعمال السيارات، لأن عبد المحسن إلى جانب ذلك كان يقوم بتطوير العمالة والصناعة والمشاركات الجديدة للمجموعة والأراضي، أما الأخ نجيب فهو يُدير العمل الآن في المنطقة الغربية، وحلّ الأخ سعد محل الأخ إبراهيم في إدارة المجموعة في المنطقة الشرقية).

تنوع في النشاطات

نظراً لتنوع السيارات التي أصبح عبد اللطيف العيسى وكيلاً لها، ظلّ الناس لا يعرفون عن رجل الأعمال عبد اللطيف العيسى إلا أنه وكيل لعدد من وكالات السيارات في الرياض، لكنّ هذا هو النشاط الظاهر، كما يقول ابنه عبد الرحمن، إذ واصل عبد اللطيف العيسى نشاطه في تجارة الأراضي حتى وفاته، ودخل في مجال البنوك، حيثُ أسّس مع عدد من رجالات الأعمال البنك السعودي الهولندي، لكنه خرج بعد ذلك.

سألتُ ابنه عبد الرحمن عن النشاط الزراعي، سيّما بعد النهضة الزراعية التي شهدتها المملكة في بداية الثمانينيات، قال: ( لم يدخل الوالد في أي نشاط زراعي، لكنه دخل في المجال الصناعي، حيثُ أنشأنا مع عدد من رجال الأعمال شركة تصنيع الأنابيب الفخارية الضخمة للمياه، ودخلت معنا ثلاث شركات ألمانية، ولا تزال الآن شركة ناجحة، ويوجد مصنع آخر وهو مصنع السويدي ويسمونه (سيبوركس) وهو معني بطرق معينة لبناء البيوت والعمائر، وهو نظام ناجح، وهذه الشركة، شركة ذات مسؤولية محدودة وليست مساهمة).

كذلك دخل عبد اللطيف العيسى في تجارة الأسواق المركزية، فكان هو مؤسس أول سوبر ماركت مركزي في المنطقة العربية كلها، وذلك في مطلع السبعينيات الميلادية، وصممته وأشرفت عليه شركة (سفن × إيلفن) وهي شركة أمريكية متخصصة في هذا المجال، وعَهدَ عبد اللطيف العيسى إلى زوج ابنته الدكتور فهد البنيان، بإدارة هذه السوق المركزية الضخمة، التي عرفت في المنطقة الشرقية باسم ''الأسواق''.

السعودية هي الأسد

هذه محطات بارزة في سيرة عبد اللطيف العيسى التجارية، لكنّ مما سيسجله له التاريخ أنه من أوائل من أدخل البيع بالتقسيط، كما سيُسجل له أنه بنى بمفرده إمبراطورية تجارية ضخمة، أما الشيء الذي يفخر به عبد اللطيف العيسى، فهو أنه لم يستثمر ريالاً واحداً خارج وطنه السعودية! وكانت له وجهة نظر حيال الاستثمار في الداخل السعودي، فكان يعتقد جازماً أن هذا البلاد أمينة ولها مستقبل واعد، وكان يُسمّي المملكة بـ'' الأسد'' لضخامتها وتنوع مجالات الاستثمار فيها.

ورغم أن عبد اللطيف العيسى اتخذ من بيروت مصيفاً له منذُ مطلع الخمسينيات الميلادية، إلا أنه كان يعتبر السعودية أفضل البلاد، لتنوع تضاريسها واختلاف درجات الحرارة بين مناطقها، والتنوع الثقافي والاجتماعي فيها، واختلاف العادات والتقاليد بين مناطقها، فقد كان يعتبر هذا التنوع ميزة تُميّز السعودية عن غيرها.

18 Comments:

إرسال تعليق

Links to this post:

إنشاء رابط

<< Home